السيد كمال الحيدري

270

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

ويعتبر صدر المتألّهين هذه المسألة وبلوغ عمقها وتوفيق إدراكها من المسائل المعقّدة وبحاجة إلى تهذيب النفس وتصفية الذهن والرياضات العلميّة والعمليّة . وفي كتابه الأسفار يقول : بأنّه تضرّع بمعقوله إلى الله تعالى ومدّ يديه الباطنيّتين لا الفانيتين إليه طالباً منه كشف هذه المسألة وأمثالها « 1 » . وعن كيفيّة هذا الاتّحاد الذي يتعقّله صدر المتألّهين فإنّه يشير إلى ذلك في مضامين كلماته حيث يرى بأنّ النفس حينما تتعقّل شيئاً تصبح عين الصورة العقليّة لذلك الشيء . والتعقّل عبارة عن اتّحاد جوهر العاقل بالمعقول ، بل إنّ الإدراك عبارة عن اتّحاد جوهر المدرِك بالمدرَك . وهذا يعني أنّ عقلنا بالفعل يدرك المعقولات بالذات بنفس تلك المعقولات إذا كانت معقولات بالفعل . وهكذا يتّضح أنّ كلّ عاقل إنّما هو عقل ومعقول . وكلّ معقول إنّما هو عقل وعاقل نظراً لاتّحاده مع العاقل ، في حين إنّ الصورة المعقولة للشيء والتي هي مجرّدة من المادّة ، معقولة بالفعل ، سواء تعقّلها عاقل من الخارج أم لم يتعقّلها . ولكلّ ناقص بلغ الكمال مُخرِج أخرجه من القوّة إلى الفعليّة ، ولابدّ لهذا المخرج أن تكون لديه تلك الفعليّة إذ لا يمكن لمعطي الشيء أن يكون فاقده . ويعتبر صدر المتألّهين ذلك المخرِج هو العقل المفارق والذي هو نفس العقل الفعّال في مقام التعقّل والإدراك ، فيفيض العقل الفعّال الصور العلميّة على النفس « 2 » .

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 3 ، ص 313 . ( 2 ) راجع صدر المتألّهين فيلسوفاً وعارفاً ، محمد خواجوي ، تعريب : عبد الرحمن العلوي : ص 75 ، وراجع الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 3 ، ص 312 .